7 شتنبر 2018
بداية السنة الدراسية الجديدة (2018 / 2019)
الساعة الثامنة والنصف صباحاً
توصل مركز الشرطة بـ ولاية أمن مراكش (السنطرال - كليز) ببلاغ مستعجل يفيد بالعثور على جثة هامدة لامرأة في عقودها الخمسة، داخل أسوار إحدى المؤسسات الإعدادية العمومية في حي المسيرة 3. ولم تمر سوى دقائق حتى تأكدت الهوية الأولى للضحية: إنها أستاذة تدرس بالمؤسسة ذاتها.
تجمع التلاميذ والأساتذة بفضول مشحون بالخوف أمام القاعة التي شهدت الفاجعة، بينما ضربت عناصر الأمن طوقاً صارماً بالشريط الأصفر لحظر الدخول. وسط هذا الزحام، كان هناك مراهقان يقاربان الخامسة عشرة والسادسة عشرة من عمرهما؛ الأول، آدم، كان طويلاً وأسمر البشرة ذ أعين بنية فاتحة واسعة، يوزع نظراته بقلق بين رجال الأمن يبحث عن وجه مألوف.
قاطع بحثه صديقه ذو أعين الرمادية المميزة وبشرته القمحية، عثمان، الأقصر منه بقليل، سائلاً بهمس:
— هل تبحث عن إلياس؟
أجابه آدم بيأس:
— نعم، لكن لا أعتقد أنه سيأتي اليوم.
أشار عثمان بسبّابته نحو أحد الضباط الواقفين في الممر وأردف:
— يونس متواجد هناك، وبما أن يونس هنا، فمؤكد أن أخاك برفقته.
تمتم آدم بتمنٍّ مكتوم:
— أتمنى صادقاً ألا يكون هنا.
كتم عثمان ضحكته، لكن صوتاً جهوراً ونبرة باردة انبعثت من خلفهما حسمت الأمر:
— وكأنني تركت "السنطرال" وأتيت إلى هنا لأجلك أنت!
ارتعش جسد آدم وابتلع ريقه بصعوبة، ثم التفت ببطء وحذر لتلتقي عيناه بالعينين البنيتين الداكنتين لأخيه الأكبر. قال بنبرة متلعثمة حاول جعلها طبيعية:
— صـ.. صباح الخير أخي.
أمسك إلياس بالاثنين من حقيبتيهما المدرسيتين، وجرهما بحزم بعيداً عن محيط مسرح الجريمة، ثم أردف موبخاً:
— هل يجب أن أكرر كلامي في كل مرة؟ لا أريد رؤيتكما في محيط عملي. اذهبا إلى فصلكما فوراً.
رد آدم بضجر واحتجاج:
— كيف نذهب والفصل مقفل؟ هناك جريمة قتل داخل الإعدادية! ولحسن حظنا البائس، الجثة تعود لأستاذة مادة الرياضيات التي من المفترض أن تدرسنا هذا الموسم.
توقف إلياس في زاوية بعيدة عن الأنظار، واسترعى الكلام انتباهه. أخرج من جيب سترته مفكرته الصغيرة وقلمه، ثم سأل بجدية:
— هل كانت هذه أول حصة لكما معها؟
أجابه عثمان بتوتر وهو يسترجع التفاصيل:
— لا، بل الحصة الثانية في هذا الأسبوع الدراسي الجديد.
ثبّت إلياس نظراته عليهما وسأل:
— كيف كانت تبدو أستاذتكم؟ هل هي حادة الطباع؟ طيبة؟ باختصار، أريد كل ما تعرفونه عن سمعتها بين التلاميذ.
قبل أن يفتح عثمان فمه، قاطعه آدم مستنكراً:
— هل تقوم باستجوابنا الآن كمتهمين؟
رمقه إلياس بنظرة حادة جمدت الكلمات في حلقه، فتابع عثمان متحدثاً بنبرة خفيضة:
— في الحقيقة يا سيدي، لديها شخصية عنيفة ومتكبرة للغاية.. حتى طريقتها في الكلام جافة وأنانية. لقد مررنا بأساتذة صارمين من قبل، لكن كان لديهم ضمير وطيبة، أما هي فمنذ الحصة الأولى لم يتقبلها أحد في المؤسسة.
وأضاف آدم مؤكداً:
— يمكنك سؤال أي تلميذ في الإعدادية؛ حتى يحيى وزينب عندما غادرا الحصة الماضية، أخبرونا أن التعامل معها مستحيل.
سألهما إلياس وهو يدون الملاحظات:
— متى كانت حصتكم الأولى معها تحديداً؟
أجاب آدم:
— مساء أمس! حتى إنها أجبرتنا على شراء لوازم المدرسية وإحضارها اليوم.
انتبه إلياس إلى عثمان الذي كان يعدل وزرته البيضاء بتوتر واضح، فأغلق مفكرته وسأله بنبرة أهدأ:
— هل اقتنيت اللوازم المطلوبة منك يا عثمان؟
بدت علامات الحرج على وجه الفتى والتزم الصمت مطلِقاً زفرة قلقة. فهم إلياس الموقف فوراً بحكم معرفته الكبيرة والعميقة به، فقال بلهجة حاسمة ومطمئنة:
— حينما تنتهي هذه الجلبة، اكتب لي ورقة بكل اللوازم المدرسية التي تحتاجها، وأنا سأتولى أمرها.
لم يجد عثمان كلمات للشكر، واكتفى بالإيماء برأسه، بينما استدار إلياس ليعود إلى مسرح الجريمة.
نظر آدم إلى صديقه وقال بعينين تلمعان بالفضول:
— بما أن الدراسة معطلة اليوم، ما رأيك أن نراقب إلياس وفريق الشرطة القضائية من بعيد؟
ابتسم عثمان بوجل:
— سيكون هذا أفضل من العودة للمنزل الآن، لن أجد أحداً هناك في الصباح على أي حال.
ورغم تحذيرات الصارمة، قرر الفضوليان تتبع الخطوات الإجرامية.
خطا إلياس داخل قاعة الدرس؛ مسرح الجريمة كان هادئاً بشكل موحش. الجثة كانت تجلس فوق كرسي المكتب بطريقة تبدو للوهلة الأولى "طبيعية"، وكأن الأستاذة استسلمت للنوم أثناء التصحيح. كانت يدها اليمنى متصلبة، تقبض بعناد على قلم تلوين خبيث باللون الأحمر، بينما تنتشر أمامها أوراق بيضاء مخصصة للرسم.
وقف إلياس بجانب زميله يونس، الذي بادره بالقول وهو يراجع تقريره الأولي:
— لقد استجوبت الطاقم الإداري المتواجد؛ الجميع يؤكد أن علاقة الضحية بمحيطها كانت متوترة للغاية، من المدير إلى بقية زملائها والكل يتذمر من حدة طباعها.
ثم أشار بيده إلى كيس أدلة بلاستيكي شفاف وأضاف:
— طبيب المصلحة حدد وقت الوفاة تقريباً منذ ثلاث ساعات (قرابة الخامسة والنصف صباحاً). وبناءً على معاينة البقع والكسور، فالضحية قتلت إثر سقوط قسري من مكان شاهق، وتم نقل جثتها وتركيب مسرح الجريمة هنا داخل القسم عن قصد لتوجيه الرسالة. لقد طلبت من مصلحة النظم المعلوماتية تفريغ كاميرات المراقبة الثلاث المتواجدة في الممرات.
سأله إلياس وعيناه تدوران في المكان:
— متى ستُنقل الجثة إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي لإجراء التشريح؟
— سيارات الإسعاف وفرقة نقل الجثث في الطريق الآن.
تحولت نظرات إلياس إلى الكيس الشفاف الذي يحمله يونس؛ كان يحتوي على هاتف ذكي مهشم الشاشة، لكن ما أثار ريبته هو الظهر البلاستيكي للهاتف؛ حيث حُفر عليه بعمق وعمد رقم ثلاثي حديث: "003".
دقق إلياس النظر في الحفر، وشعر بقشعريرة مألوفة تخترق عقله، وكأنه رأى هذا الأسلوب أو هذا الخط في مكان ما، لكن ذاكرته تمنعت عليه. قاطع تفكيره يونس وهو يشير بسبّابته نحو يد الضحية:
— ألا تعتقد أن وضعية هذا القلم الأحمر بين أصابعها غريبة جداً؟
أشاح إلياس بنظره عن الهاتف وسأل:
— هل للضحية أبناء؟
— حسب المعطيات الأولية لا، لكنني سأتحقق بدقة. لقد ربطنا الاتصال بزوجها وهو في طريقه الآن إلى مقر "السنطرال" بجليز للاستماع إليه.
أومأ إلياس موافقاً، وألقى نظرة فاحصة أخيرة على الجثة قبل أن تشرع عناصر شرطة مسرح الجريمة في وضعها داخل الكيس الأسود. وفجأة، لمح يونس من خلال زجاج النافذة رأسي آدم وعثمان يطلان من بين الحشود المبعدة. وقبل أن يتكلم، قاطعه إلياس بلا مبالاة:
— تصرف كأنك لم تلمحهما.
ضحك يونس بخفوت وقال:
— لقد أصبحا في سنتهما الأخيرة من السلك الإعدادي.. الأيام تمضي بسرعة مخيفة، كلاهما يذكرانني ببدايتنا. الاختلاف الوحيد أن عثمان هو ابن خالتك الراحلة.
عدّل إلياس سترته، وتنهد بحسرة أفصحت عن تعب دفين:
— ليست الأيام هي من تمضي بسرعة يا يونس.. بل العمر. العمر هو ما يهرب منا.
ثم استدار مغادراً وقرار المواجهة يرتسم في عينيه:
— انتهى عملنا الإجرائي هنا. لنلتحق بالولاية لتسيير خطة البحث. هل أكدت على حضور المدير والحارس؟
— نعم، رفقة عاملات النظافة اللواتي افتتحن المؤسسة صباحاً، سيلتحقون بنا في "السنطرال" للإدلاء بشهاداتهم الرسمية.
— ممتاز، قد يملكون تفصيلاً صغيراً يغير مجرى القضية.
تحرك الضابطان نحو سيارة المصلحة، وتبعتهما سيارات الأمن الوطني المتبقية، تاركين خلفهم حراسة ثابتة لتأمين قاعة الدرس الملعونة.
بمجرد أن توارت سيارات الشرطة القضائية عن الأنظار، سحب آدم صديقه عثمان من يده واندفعا نحو الشريط الأصفر وعلامات الحماس تكسو وجهه:
— أخيراً غادر إلياس! لنقترب أكثر ونراقب كيف يرفع عناصر الشرطة العلمية بقية الأدلة!
ثم التفت إلى صديقه مردفاً بفخر وتحدٍّ:
— ألم تقل لي يوماً إن حلمك الأكبر هو الاشتغال في فرقة الجنايات؟ ها هي الفرصة لنرى عملهم عن قرب!
ابتسم عثمان بسخرية شابتها مسحة من الحزن والواقعية، ونظر إلى ملابسه المتواضعة قائلاً:
— ما يزال الطريق طويلاً جداً يا آدم.. ومثقلاً بالعقبات.
ثبّت آدم يده على كتف صديقه وقال بنبرة ملؤها اليقين والتمني:
— حتى لو كان طويلاً لا يهم.. أقسم أنني سأراك يوماً ما ترتدي تلك الشارة في السنطرال.
