كان الجو دافئاً بعض الشيء في ذلك الصباح، يحمل الأجواء الهادئة ذاتها والروتين المعتاد لبداية كل عام دراسي لدى عثمان: الاستيقاظ باكراً في بيت تملأه القسوة (ليجد نفسه أحياناً مطروداً في الشارع بفعل زوج خالته)، الفطور السريع الذي تمرره له أخته الكبرى حنان من نافذة المطبخ باختلاس، ولقاء صديقه الصدوق آدم أمام باب العمارة التي يقطنها، لينطلقا معاً بخطى حثيثة نحو الإعدادية.
لكن في اليوم الرابع من بداية هذا الموسم الدراسي، كُسر ذلك الروتين الرتيب بطريقة درامية مفاجئة؛ لقد وقعت جريمة قتل مروعة داخل أسوار مؤسستهم.
في الحقيقة، لم تكن هذه المرة الأولى التي يرى فيها عثمان جثة أو يقترب من عالم الجريمة؛ فحيثما وقعت حادثة في الجوار، اعتاد آدم -بفضوله اللامتناهي- أن يجر عثمان جراً نحو مسارح الحوادث لتأملها.
الروابط بين الفتيين كانت أعمق من مجرد صداقة؛ فآدم والمحقق إلياس هما ابنا خالته. كبر عثمان برفقة آدم منذ نعومة أظافرهما كأخوين شقيقين تماماً. وبسبب الظروف العائلية القاهرة والقسوة المفرطة التي فرضها زوج خالته الذي يتولى تربيته، كان إلياس هو السند الحقيقي؛ فهو من يتكفل سراً بكل مصاريف عثمان المدرسية واحتياجاته. لذلك، كان عثمان يحمل في أعماقه حلماً كبيراً بأن يصبح مستقبلاً ضابطاً في الشرطة القضائية مثل إلياس، ليرد له ولو جزءاً بسيطاً من دينه وتضحياته.
ولنعد إلى القضية الأساسية.. المتوفاة هي الأستاذة سعاد، أستاذة مادة الرياضيات؛ تلك المرأة الحادة التي لم تكن تترك تلميذاً أو زميلاً في حاله. لم يكن عثمان يضمر لها ضغينة شخصية بحكم أن هذا العام هو أول عهده بفصلها، لكن وفقاً للتسريبات المقتضبة التي استرقها من الضابط يونس، فإن الضحية قُتلت عبر دفعها من مكان شاهق، ثم نُقلت الجثة وأُعيد ترتيب مسرح الجريمة داخل القسم لتضليل المحققين.
وبذكر يونس، كان عثمان يتمنى في قرارة نفسه ألا يكون الضابط قد كشف تسللهما خلف الشريط الأصفر، رغم أن المؤشرات كلها تؤكد أنهما مكشوفان منذ وقت طويل أمام أعين إلياس الصارمة.
جلس الفتيان في مقهى شعبي صغير قبالة شوارع المسيرة، فارتشف آدم رشفة من كأسه الساخن وسأل عثمان بفضول:
— ما رأيك يا عثمان؟ هل تعتقد أن القاتل قد يكون واحداً من الطاقم التربوي في الإعدادية؟
أجابه عثمان بملامح يكسوها الشك:
— قد يكون واحداً من الأساتذة.. أو ربما تلميذاً ضاقت به السبل من تصرفاتها.
تنهد آدم:
— هذا صحيح! رحمها الله على أي حال، لكنها لم تترك شخصاً في المؤسسة إلا وتسببت له في مشكلة.
أومأ عثمان برأسه موافقاً؛ فدائرة المشتبهين تتسع لتشمل الإعدادية بأكملها. في تلك اللحظة، دار سؤال فلسفي عميق في ذهن عثمان: لماذا يتواجد مثل هؤلاء الأشخاص المؤذيين في حياتنا؟ يجرحون أُناساً أبرياء بكلامهم وتصرفاتهم دون أن يدركوا حجم الندوب النفسية التي يتركونها في أعماقهم، ودون أن يحسبوا حساباً للحظة التي سيحاسبون فيها بقسوة.
قاطع آدم حبل أفكاره متسائلاً ببراءة:
— أتمنى فقط ألا نكون قد تورطنا مع يونس.. لكن لحظة! ما دامت أستاذة الرياضيات قد قتلت، فهل سيحضرون لنا أستاذاً جديداً بدلاً منها؟
ضحك عثمان بسخرية على طريقة تفكير صديقه وأجابه:
— بالطبع سيحضرون أستاذاً جديداً، فلتدعُ الله فقط ألا يكون نسخة ثانية منها.
ثم رفع كأسه وأخذ رشفة هادئة. على عكس آدم الذي يفضل الشاي مسكراً للغاية، كان عثمان يعشق شايه مرّاً بلا سكر، تماماً مثل إلياس. ربما لم يكن الأمر مجرد تذوق، بل محاولة غير واعية منه لتقليد مثله الأعلى ليقترب من هيبته...
— يحيى! صباح الخير! صاح آدم فجأة منادياً بصوت مرتفع وهو يلوح بيده بابتسامة واسعة نحو فتى يقترب في الشارع. التفت يحيى الذي كانت تبدو عليه أمارات الخمول والتعب، لكن ملامحه انفرجت فور رؤيته لعثمان وآدم الجالسين في المقهى، فأسرع بخطواته نحوهما.
يحيى وزينب شقيقان يدرسان في نفس المؤسسة ونفس الفصل، ورغم أن يحيى يكبر أخته بعامين، إلا أن رسوبه المتكرر انتهى به في الصف ذاته. كان عثمان وآدم قد تعرفا عليه في قاعة رياضة الملاكمة التي يرتادونها بانتظام في الحي، وسرعان ما تحولت الزمالة إلى صداقة مقربة.
جرّ يحيى كرسياً خشبياً وجلس بتعب بعد أن ألقى السلام، ثم مد مفاتيح المنزل لأخته زينب الواقفة بجانبه وقال مودعاً:
— أخبري أمي أنني سأتأخر في العودة إلى البيت اليوم. أومأت الفتاة برأسها بهدوء، وسلمت على الفتيين بحياء ثم غادرت.
التفت يحيى نحوهما ورسم عبوساً مصطنعاً على وجهه وقال:
— ألن تدعوني لارتشاف كأس شاي معكم؟ أم أنني أصبحت غريباً عنكم الآن؟
ضحك آدم ورفع يده منادياً النادل:
— "خويا"، أحضر لنا كأس شاي آخر وقطعة "مسمن بالشحمة" ساخنة.
ثم التفت ليحيى مرحباً:
— أهلاً بك يا صاحبي، لكن ليس من عادتك الاستيقاظ باكراً في بداية السنة الدراسية، وخصوصاً بعد إغلاق المدرسة اليوم.
وضع يحيى يده فوق رأسه بضجر شديد وقال:
— والدتي هي من أيقظتني وأصرت على خروجي،
ولم أستطع رفض طلبها. تحدث عثمان بنبرة جادة:
— إنها تبحث عن مصلحتك فقط، يجب أن تستمع لنصائحها لتستدرك ما فاتك. وافق آدم على كلام عثمان وأردف:
— هي خائفة على مستقبلك الدراسي، ونحن كذلك.
وصل النادل ووضع كأس الشاي الساخن مع فطيرة المسمن المفضلة لدى يحيى، والذي استقبل كلماتهم بصدر رحب وتنهد قائلاً: — أعلم ذلك جيداً، فهي أمي في النهاية.. لكنني حقاً لا أعرف ما الذي كان يتوجب عليّ فعله؛ تلك المجنونة، الأستاذة سعاد، تسببت لي في أزمات ومشاكل لا حصر لها قبل أن تُقتل بتلك الطريقة المهينة.
لم يكن سراً أن يحيى من أوائل الأشخاص الذين يكنون كرهاً شديداً للأستاذة الراحلة؛ بسبب صدام حاد وقع بينهما في سنته الثالثة، وكان سبباً مباشراً في تعثره ورسوبه لعامين متتاليين.
قاطع آدم حبل الذكريات ملتفتاً لصديقه:
— عثمان، هل تريد كأساً آخر من الشاي؟
— نعم، رجاءً.
وانطلق يحيى في حديثه اللامتناهي، يسرد عليهما تفاصيل أسبوعه الحافل، بينما كان عثمان يستمع بإنصات، محاولاً ربط الخيوط في عقله الصغير، غير مدرك أن العاصفة قد بدأت بالفعل.
