الفصل الثالث: السنطرال

 


الساعة العاشرة صباحاً

المقر الرئيسي لولاية أمن مراكش (السنطرال - كليز)

كان المكتب المشترك لفرقة الجنايات يغص بالحركة؛ مكاتب خشبية متراصة جنباً إلى جنب، وأصوات رنين الهواتف وأوراق القضايا تمتد في الأرجاء.

جلس إلياس لتوّه وراء مكتبه، يحمل بين يديه كوباً من الشاي المر بلا سكر، يرتشف منه ببطء لعل مرارته تطرد الإرهاق عن جسده. كانت أمامه ملفات متكدسة وحاسوبه الشخصي يضيء ببيانات أولية. رفع عينيه البنيتين لينظر بتمعن إلى الرجل الجالس في المقابل؛ رجل في الأربعينات من عمره، يرتدي بذلة زرقاء رسمية أنيقة، يبدو واثقاً من نفسه وتتراقص على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يرقب الملف الموضوع بين يدي الضابط.

خطا يونس داخل المكتب بخطوات هادئة وقال بهمس: 

— بقية المستدعين ينتظرون في ردهة الاستقبال بالخارج. 

أومأ إلياس برأسه إيجاباً، ثم وجّه نظراته الحادة نحو الرجل الأربعيني قائلاً بجدية: 

— لنبدأ الإجراءات.. سيد عبد الرزاق، بصفتك مديراً للإعدادية، أيمكنك أن تخبرنا بوضوح عن خلفية المغدورة سعاد وعلاقاتها داخل المؤسسة؟

تبدلت ملامح المدير إلى تأثر مصطنع وأجاب: 

— الأستاذة سعاد كانت من الركائز الأساسية في طاقمنا التربوي، ومن أقدم الأساتذة في المؤسسة. رغم أنه كان لديها تاريخ حافل بالصدامات والمشاكل مع التلاميذ وبقية الأساتذة بسبب طبيعتها الجافة وتصرفاتها العدوانية أحياناً، إلا أن عطاءها المهني كان لا غبار عليه. 

سأله إلياس وهو يدون كلماته:

 — هل هناك أسماء محددة من الأساتذة يضمرون لها ضغينة أو عداوة واضحة؟

أجاب المدير بعد برهة من التفكير:

 — حسناً.. هناك بالفعل خلافات حادة ومعلنة مع الأستاذ مروان سعداوي أستاذ مادة الفيزياء، وكذلك الأستاذة فضيلة عدلي أستاذة مادة الاجتماعيات. 

— وهل تطلعنا على أسباب هذه الخلافات؟ 

— صراحة لا علم لي بالتفاصيل؛ فالأستاذة سعاد والأستاذ مروان كانا على معرفة قديمة ببعضهما البعض منذ سنوات طويلة، وكذلك الأستاذة فضيلة. لا أعرف الجرح القديم الذي يغذّي هذه العداوة، لكنني عندما التحقت بالمؤسسة كمدير جديد، كانت الصراعات بينهم قد بلغت أوجها.

صمت إلياس برهة، ونقل نظرة سريعة إلى يونس الذي فهم الإشارة، فاستأذن وغادر المكتب فوراً لمباشرة التحريات الخلفية. استأنف إلياس استجوابه: 

— ووفقاً للتقارير، فقد تلت المؤسسة شكاوى متعددة من التلاميذ وأولياء أمورهم بخصوصها؟ 

— نعم، كما أسلفت، لم تكن امرأة دافئة أو محبوبة؛ كانت قاسية مفرطة في تعاملها مع بعض الحالات، وقد تلقينا بالفعل شكاوى إدارية رسمية بشأنها.

 — أيمكنك تزويدنا بقائمة أسمائهم وأسماء أولياء أمورهم المتواجدين في سجلاتكم؟ 

— بالطبع يا سيدي الضابط، سأوفرها لكم على الفور.

سجل إلياس الأسماء بدقة، ثم طرح سؤاله المحوري:

 — في أي ساعة التحقت بالمؤسسة هذا الصباح سيادة المدير؟ 

فأجاب المدير متذكراً: 

— قرابة الساعة الثامنة والربع صباحاً. — 

وقبل ذلك التوقيت، هل رصدت أو شعرت بأي حركة غير عادية في محيط الإعدادية أو السكن الوظيفي ما بين الساعة الخامسة والنصف والثامنة صباحاً؟

 — لم أشعر بحركة داخل الأسوار، باستثناء واقعة واحدة غريبة حدثت في الشارع الخارجي. 

— ما هي؟

وضع المدير يده تحت ذقنه محاولاً استجماع تفاصيل المشهد:

 — قرابة الساعة السادسة صباحاً، كنت مستيقظاً كالعادة لأنني لا أنام بعد صلاة الفجر. فجأة، سمعت دوي ارتطام قوي وصوت سيارة مسرعة.. قد يبدو الأمر عادياً في شوارع مراكش، لكن السيارة كانت تتحرك برعونة شديدة لدرجة أنها صدمت عمود الإنارة القريب من سور المدرسة. عندما أطللت لأرى ما حدث، رأيت السائق يترجل منها وهو يصرخ بهستيريا وخوف شديد في هاتفه المحمول؛ كان يصرخ بهلع وتوتر وكأن شبحاً مرعباً يطارده، ثم ترك كل شيء وأخذ يركض في الزقاق هرباً. 

— وهل ترك سيارته مركونة في مكان الحادث؟

أجابه المدير: 

— نعم تركها.. وحينما هممت بالدخول لطلب النجدة والتبليغ عن الحادث لأن الرجل بدا مرعوباً بحق، وقع أمر آخر داخل المدرسة؛ حيث جاء حارس الأمن الخاص يركض نحوي لاهثاً ليخبرني أن الباب الحديدي الرئيسي للإعدادية وُجد مشرعاً على مصراعيه، وسألني إن كنت أنا من فتحته.

وتابع المدير بنبرة لائمة: 

— أخبرته بالطبع أنني لم أقترب من الباب، ووبخته بشدة على إهماله؛ إذ اعتقدت للوهلة الأولى أنه غط في النوم بعد صلاة الفجر وترك الباب مفتوحاً دون قصد ونسي إغلاقه.

كان إلياس يسجل كل إفادة بصمت مطبق. وبعد أن استنفد المدير ما لديه، شكره الضابط وأذن له بالمغادرة.

بمجرد خروج المدير، دخل رجل في الأربعينات من عمره، يجر خطاه بعرج واضح، وكانت كلتا يديه ترتعشان بشكل ملحوظ تحت تأثير الصدمة والرهبة الأمنيّة. جلس على الكرسي ومد بطاقة هويته الوطنية نحو إلياس، الذي تحدث بنبرة هادئة ومطمئنة لكسر حدة خوفه: 

— السيد جابر، صحيح؟ منذ متى وأنت تشتغل كحارس أمن في هذه المؤسسة؟ 

أجابه بصوت متهدج ومتوتر: 

— منذ أكثر من خمس سنوات يا سيدي.

 — إذن أنت تعرف الأستاذة سعاد عن قرب. 

تمتم جابر متذكراً: 

— الأستاذة سعاد كانت تدرس في مؤسستنا منذ سبع سنوات متواصلة.. لكن في الحقيقة، ووفقاً لما أسرّت به لي زميلتها الأستاذة نجاة، فإن المرحومة كانت قد درست في هذه الإعدادية ذاتها قبل ستة عشر عاماً كأستاذة لمادة الرياضيات قبل أن تنتقل وتعود إليها مجدداً.

في تلك اللحظة، فتح يونس الباب بعد أن استأذن، واقترب من أذن إلياس هامساً:

 — لقد تواصلت الفرقة مع الجهات المختصة، وصدر الآن الإذن القضائي لنقل الجثة إلى مستودع الأموات من أجل التشريح الطبي.

أومأ إلياس برأسه، ثم التفت مجدداً نحو الحارس المرتجف، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة وهو يسأله: — إذن هي من الطاقم القديم.. كيف كانت طبيعة علاقتها بالأستاذ مروان والأستاذة فضيلة؟ سمعت أن الأجواء بينهم كانت مشحونة بالعداوة، هل تملك سبباً واضحاً لذلك؟

استأذن يونس وغادر المكتب حاملاً سجل أسماء أولياء الأمور لمباشرة الفحص الرقمي، فيما أجاب جابر: 

— كانت سيئة للغاية.. الجميع في المؤسسة كان يعلم بوجود جدار من الكره بينهم، حتى التلاميذ استشعروا ذلك.. لكن ما سبب هذا الحقد القديم؟ الله وحده يعلم .

 — هل لاحظت أي شيء مريب أو غريب صبيحة هذا اليوم؟ أنت كحارس تتولى مراقبة المنافذ، هل استرعى انتباهك شيء؟

بدا التوتر مضاعفاً على محيا الحارس وهو يشخص ببصره نحو الضابط، فأحس إلياس بقلقه ومد له كوباً من الماء البارد ليهدأ. تجرع جابر الماء، وبعد صمت دام دقائق، أجاب:

 — لم أرَ أي شخص غريب يا سيادة الضابط. استلمت نوبتي في تمام الساعة السادسة صباحاً من حارس النوبة الليلية، ومع حلول الثامنة بدأ الموظفون الإداريون بالالتحاق بمكاتبهم، وبعدها وقعت الفاجعة واكتُشفت الجثة. 

— ركز جيداً يا جابر.. ألم تلحظ أي تفصيل خارج عن المألوف؟ 

— لا...

صمت قليلاً، ثم فرك يديه ببعضهما وأردف بتردد: 

— في الحقيقة يا سيادة الضابط.. هناك أمر حدث قبل أيام ولا أعلم إن كان سيفيد التحقيق بشيء.

 — تحدث، كل تفصيل يهمنا.

 — قبل ثلاثة أيام، أضعتُ في ظروف غامضة مفاتيح الخزانة الحديدية الخاصة بالأستاذة سعاد المتواجدة في قاعة الأساتذة.. وصباح هذا اليوم، صُدمت بأن الخزانة كانت مفتوحة عنوة. 

— وهل تفقّدتم محتوياتها؟ هل فُقد منها شيء؟

 — لا يبدو ذلك، لكن حقيبة اليد الخاصة بالأستاذة سعاد كانت قابعاً داخل الخزانة.. ولا أدري إن كانت هي من تركتها هناك منذ مساء أمس أم أن أحداً وضعها.

 — وهل من عادة الأساتذة ترك حقائبهم الشخصية داخل المؤسسة بعد انتهاء حصصهم؟ 

— ليس كثيراً.. وبخصوص المفاتيح الضائعة يا سيادة الضابط، أرجوك برجاء خاص ألا تخبر المدير بالأمر حتى لا أطرد من عملي.

أومأ إلياس برأسه متفهماً ومطمئناً إياه، ثم طرح سؤاله الأخير:

 — الأستاذة فضيلة والأستاذ مروان.. هل ما زالا يمارسان عملهما في نفس المؤسسة أم انتقلا؟ 

— الأستاذة فضيلة ما زالت تدرس معنا إلى اليوم، أما الأستاذ مروان فقد قدم استقالته المفاجئة قبل ثلاث سنوات وانقطع خبره.

ابتسم إلياس وأعاد له بطاقة هويته قائلاً: 

— حسناً يا جابر، أشكرك على تعاونك. قد نستدعيك مجدداً لاستكمال الإجراءات، يمكنك المغادرة الآن.

غادر الحارس المكتب، وبعد دورتين لعقارب الساعة دخل يونس وعلامات التوجس تكسو ملامحه: 

— لقد تمكنا من إخطار زوج سعاد، وهو في طريقه الآن إلى المقر للاستماع لإفادته.. أما بخصوص الأستاذة فضيلة، فقد رفضت القدوم بشكل قاطع وتحججت بوضعها الصحي.

توقع إلياس هذا الرد الفظ بعد أن تجاوزت ساعة استدعائها، فتنهد بضيق وسأل زميله: 

— وماذا عن الأستاذ المستقيل مروان؟ حك يونس خلف رقبته بإحراج وقال: 

— مروان عجزنا عن تحديد مكانه الحاضر؛ لم نجد له أثراً في عنوانه القديم، وما زلنا نحاول اقتفاء أثره الرقمي. 

تمتم إلياس وهو يستند بظهره إلى كرسيه الدوار:

 — استقال قبل ثلاث سنوات واختفى.. أتساءل إن كان ما يزال داخل نفوذ مدينة مراكش أم غادرها بالكامل؟ وما السبب الحقيقي الذي يجعل أستاذة ترفض المثول أمام الشرطة القضائية؟ هل هو الخوف، أم خشية الاتهام المباشر؟

رفع عينيه نحو يونس، وفجأة لاحظ أن زميله ينظر إليه بنظرة تحمل مزيجاً من الشفقة والوجل، ولم يكن يونس وحده؛ بل حتى بقية الضباط المتواجدين في المكتب المشترك كانوا يرقبونه بحذر. فهم إلياس المغزى بسرعة، وحاول قطع الشك باليقين قائلاً بنبرة حازمة: 

— الأمر لا يتعلق بما حدث مساء البارحة.. لقد طويت تلك الصفحة ونسيتها. 

رد يونس بشك: 

— هل أنت متأكد؟ قبل أن نتلقى بلاغ جثة الإعدادية هذا الصباح، كنت هائجاً وغاضباً لدرجة جعلت الكوميسير سفيان يتردد في الحديث معك ويوصينا بالتعامل معك بحذر.

 — صحيح.. لقد كنت تنظر إلينا وكأنك تحمل حقد العالم كله في عينيك.

أومأ بقية الضباط حاسمين بصحة كلام يونس. زفر إلياس زفرة قوية وقال بنبرة آمرة: 

— انسوا ما حدث الصباح؛ أمامنا قضية قتل متشابكة. سنستمع لزوج الضحية فور وصوله، لكن قبل ذلك، هناك طرف آخر يجب أن يمثل في هذا المكتب.

 سأله يونس مستفهماً: 

— من تقصد؟ 

— إحدى عاملات النظافة اللواتي عاينَّ المكان أولاً؛ لقد أفاد ضابط الدائرة أنها تملك تصريحاً خطيراً تريد الإدلاء به للمحقق المسؤول مباشرة.

 — سآمر بإدخالها فوراً.. وأوه، لقد بدأت الفرقة الجنائية فحص الخلفيات التاريخية للأساتذة الثلاثة لربط علاقتهم قبل ستة عشر عاماً.

الساعة الثانية عشرة زوالاً

إحدى الشقق السكنية في مراكش

وقف آدم أمام باب شقته، والمفاتيح تتأرجح بين أصابعه المرتجفة. كان عقله مشغولا بالتفكير في الحجة والسيناريو الذي سيختلقه لتبرير تأخره الشديد عن المنزل أمام والدته الصارمة. وقبل أن يدخل المفتاح في ثقب القفل الحديدي، انبعث صوت رجولي هادئ وعميق من خلفه في ردهة السلالم المظلمة، صوت جعل الدماء تتجمد في عروقه وهو يقول:

— أنتَ الأخ الأصغر للضابط إلياس.. آدم، صحيح؟


تعليقات