الفصل الرابع: خيوط من رماد الماضي

 



— أنتَ الأخ الأصغر للضابط إلياس.. آدم، صحيح؟

تجمدت الدماء في عروق الفتى في تلك اللحظة، والتفت بسرعة البرق لتبحث عيناه عن صاحب الصوت المفاجئ.

وقع بصره على رجل في أواخر عقده الرابع؛ كان ذو بشرة سمراء ملأت خطوطها علامات الوقار والطيبة، وعينين بنيتين فاتحتين يرتسم في زواياهما انحناء دافئ. ابتسم الرجل محاولاً تبديد رعب آدم وأردف بلهجة مطمئنة: 

— أعتذر إن كنت قد أخفتك بهذه الطريقة المفاجئة. إسمي صالح بن محمد، وكنت أستاذاً لأخيك الأكبر إلياس في أيام الثانوية.

تنفس آدم الصعداء، وأطلق زفرة ارتياح طويلة قبل أن يجيب بأدب:

 — تشرفت بمعرفتك يا أستاذ.. لكن أخي ليس في البيت الآن، هل تود أن أبلغه بأي رسالة؟ 

— بالطبع، رجاءً أخبره أنني سأكون سعيداً برؤيته مجدداً لأرى كيف كبر ذاك الفتى الصارم.

ثم أخذ الأستاذ يتأمل ملامح آدم بتمعن، وضحك قائلًا بنبرة حانية: 

— سبحان الله، أنت تشبه أخاك تماماً في أيام صباه.

شعرت قشعريرة باردة تسري في جسد آدم؛ ففكرة "تشبه إلياس" تبدو مرعبة تماماً بالنسبة لمراهق مثله يخشى صرامة أخيه.

أخرج صالح ورقة صغيرة دون عليها معلومات الاتصال الخاصة به ومدها لآدم، وقبل أن يستدير للمغادرة، سأل بنبرة فضولية: 

— بخصوص ذاك الصبي الصغير الذي كان يلاحق إلياس كظله في ذلك الوقت.. هل هو بخير؟ لقد سمعت ببالغ الأسى أن والدته قد توفيت، وهي خالتك إن لم تخنّي ذاكرتي، صحيح؟ 

ابتسم آدم بتهكم وسخرية:

 — تقصد عثمان! نعم، هو بخير.. وما زال يلاحق إلياس إلى يومنا هذا.

ارتسمت على شفتي صالح ابتسامة دافئة امتزجت بنبرة حنين غريبة وهو يقول:

 — أتذكر أنه كان يصر على تتبع خطواته حتى وهو ذاهب للمدرسة. قد يبدو الأمر غريباً، لكنني قبل اثني عشر عاماً لم أكن مجرد أستاذ عابر في حياتكم، بل كنت أعتبر نفسي فرداً من العائلة، لذلك ما زلت أذكر تفاصيلكم بوضوح. 

ثم تبدلت ملامحه إلى مرارة شديدة وأضاف بصوت خفيض: 

— لستما وحدكما من أذكر.. بل أذكر "هند" أيضاً!

ساد الصمت، وتيبست الكلمات في حلق آدم وكأنه يوقظ ذكرى مدفونة. على الرغم من أنه كان طفلاً لم يتجاوز الخامسة من عمره في ذلك الوقت، إلا أن اسم تلك الفتاة تحديداً لا يمكن أن يمحى من ذاكرته؛ فهي في النهاية ابنة عمه، وأخت إلياس في الرضاعة.

هند.. الطفلة التي لم ينسها إلياس للحظة واحدة، وما زال يسابق الزمن ويركض في ردهات "السنطرال" مستميتاً لاسترجاع حقها الضائع منذ اثني عشر عاماً...

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

في مقطع آخر من أحياء المسيرة المتواضعة، كبح عثمان مكابح دراجته الهوائية أمام باب منزله. وقف يرقب بنظرات متوترة نافذة الطابق السفلي المغلَقة، وقبل أن يهم بالتحرك، انفتحت النافذة ببطء لتطل منها شقيقته حنان؛ فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، بعينين قهويتين ناعستين يملأهما القلق. كانت تمسك بأطراف حجابها الأسود حول رأسها محاولة تثبيته بحذر، وتلتفت حول الزقاق باحثة عن مخرج، إلى أن التقت عيناها بعيني أخيها وهو يلوح لها باطمئنان.

كانت لغة الأعين كفيلة بتهدئة روعها؛ ترجل عثمان عن دراجته وأسرع نحو الباب الخشبي، ليفتحه ويدلف إلى الداخل بسرعة.

كانت حنان بانتظاره خلف الباب مباشرة؛ التقطت منه حقيبته المدرسية ووزرته البيضاء، وقالت بنبرة موبخة ومشحونة بالخوف:

 — لقد تأخرت كثيراً يا عثمان! والدنا سيعود في تمام الساعة الواحدة والنصف. تناول غداءك الذي حضرته لك بسرعة وغادر المنزل، وإياك أن تعود إلى هنا إلا عند اقتراب أذان العصر، مفهوم؟

أومأ عثمان برأسه موافقاً، وبينما كان يتحرك داخل أرجاء البيت المتواضع، انطلق يحكي لها بتفصيل حماس عما شهده يومه الطويل؛ بدءاً من جريمة قتل أستاذة الرياضيات، وصولاً إلى لقائه بآدم ويحيى في المقهى. واختتم كلامه بتساؤل أثاره فضوله: 

— ما رأيك يا حنان؟ من تعتقدين يكون الجاني في هذه الورطة؟

أخذت حنان تفكر بهدوء وذكاء غير مألوف لسنها، ثم علقت: 

— من الطريقة التي وُجدت بها الجثة فوق مكتبها، يبدو أن القاتل يتعمد استعراض قوته وذكائه أمام رجال الشرطة. ومن الواضح تماماً أنها ليست جريمة جنائية عادية.

 تعقّب عثمان وهو يأخذ مقعداً على مائدة المطبخ:

 — صحيح، القاتل يكن ضغينة شخصية عميقة لها. وطريقة ترتيب مسرح الجريمة تؤكد ذلك؛ فالقلم الذي كانت تقبض عليه الأستاذة سعاد هو قلم تلوين أحمر، وهو بوضوح مستوحى من أدوات الأطفال. لا أعلم إن كان للأستاذة أطفال أم لا، لكنها في بداية خمسينياتها الآن، مما يعني أن القاتل وضع القلم عن عمد لغرض رمزي محدد، وليس لمجرد الاستعراض الفج.

ثم تنهد عثمان بضيق وأردف: 

— إنها جريمة مقصودة ومحكمة التخطيط.. وأخشى يا أختي أن القاتل لن يتوقف عند هذه الجثة فقط! 

سارعت حنان بوضع أطباق الطعام على الطاولة وهي تسأل بتوجس: 

— إذن.. هل تشك في أننا بصدد مواجهة قاتل متسلسل، مثل أولئك الذين نراهم في أفلام الغموض؟

 — وما المانع في ذلك؟

هزت حنان كتفيها معبرة عن قلقها الدافي، وصبت له كوباً من الماء قائلة بمرارة: 

— بعيداً عن أهوال الجريمة.. والدنا قد جُن جنونه تماماً منذ شهر تقريباً. تصرفاته معك بدأت تزداد حدة وصرامة بشكل غير مبرر؛ لم يكن هكذا في السابق، كيف يجرؤ على طردك لتنام في الشارع؟ 

بدأ عثمان يتناول طعامه بلامبالاة مصطنعة تخفي غصته:

 — أنتِ تعرفين مزاجه المتجهم.. في كل مرة يظهر لنا بوجه مختلف.

ثم أردف بحرج شديد: 

— المشكلة أن إلياس هو من سيدفع ثمن لوازمي المدرسية مجدداً. منذ دخولي السلك الإعدادي وهو يتكفل بكل صغيرة وكبيرة، حتى رسوم التسجيل السنوية. لقد حاولت التملص في العطلة الصيفية الماضية لأخرج للعمل وأعتمد على نفسي، لكن خالتنا كشفت خطتي وأجبرتني على السفر معهم رغماً عني. 

ضحكت حنان برقة قائلة:

 — لكننا استمتعنا بتلك الرحلة، أليس كذلك؟ هذا أفضل بكثير من أن تهلك جسدك الصغير في العمل.

وفجأة، رفعت عيناها نحو ساعة الحائط، لتجد أن العقارب تشير إلى الواحدة والربع. قفزت من مكانها وصرخت بهلع: 

— أسرع! اجمع أغراضك وغادر فوراً قبل أن يلمحك أبي!

حشر عثمان ما تبقى من طعامه داخل رغيف خبز على عجل، وأسرع نحو الغرفة ليلتقط حقيبته المدرسية التي جهزتها له شقيقته بعناية. وبدلاً من إضاعة الوقت في فتح الباب الرئيسي، اندفع نحو النافذة وقفز منها بخفة إلى الأزقة الخلفية!


الساعة الواحدة والعشرون دقيقة زوالاً

إعدادية المسيرة 3

في وسط ساحة المؤسسة الفارغة والموحشة، كان إلياس يقف برفقة عاملة النظافة؛ امرأة في الأربعينيات من عمرها، لكن وهن الجسد وتعب السنين جعلاها تبدو أكبر من سنها بكثير. تحدثت بنبرة متوترة وهي تشير بسبابتها المرتجفة نحو رقعة من عشب الحديقة:

 — سيدي المفتش.. أنا متأكدة من أنني رأيت بقعة دم هناك، كانت واضحة فوق تلك الأوراق النباتية الطويلة.

 ثم حدقت في النبتة وزادت دهشتها وصدمتها: 

— مستحيل! من قام بقص هذه النبتة؟ لقد كانت طويلة وعليها أثر دماء واضح!

كانت عناصر الشرطة التقنية والعلمية تمشط المكان بدقة لفحص التربة. وفي تلك الأثناء، كان الضابط يونس يتواجد داخل قاعة الأساتذة، واقفاً أمام خزانة الأستاذة سعاد المهتكة برفقة تقني البصمات. تناول التقني حقيبة يد الضحية وشرع في تفتيش مخابئها بدقة، وفجأة، وقعت عيناه على صورة فوتوغرافية قديمة.

كان من الواضح أن أحداً ما تعمد تمزيق واقتصاص جزء من حافتها. الصورة كانت تجمع سعاد بثلاثة أشخاص آخرين. مد التقني الصورة نحو يونس، الذي أخذ يتفحص الوجوه بعينين مضيقتين، قبل أن يأتيه صوت مدير الإعدادية من خلفه مذهولاً: 

— أليس هذان هما الأستاذ مروان والأستاذة فضيلة؟ تبدو الصورة قديمة جداً.

كانت الصورة تجمع أربعة أشخاص يقفون بجوار ضفة وادٍ مائي. تم التعرف على ثلاثة منهم، لكن من يكون الرجل الرابع الذي بتر القاتل جزءاً من جسده؟ هذا السؤال الذي دار في خلد يونس والتقني، حسمه المدير بملامح شحب لونها فجأة:

 — هذا الرجل الرابع... هو نفسه السائق المرعوب الذي رأيته فجر اليوم يصدم عمود الإنارة! لقد أخبرت الضابط إلياس بأمره.

اتسعت عينا يونس:

 — هل أنت متأكد؟ يبدو قريباً منهم في الصورة.. يا ترى هل كان أستاذاً معهم في تلك الحقبة؟ 

تنهد يونس وتلمس الحافة الممزقة بأصابعه بحذر:

 — تعمد شخص ما تمزيق الجزء الآخر من الصورة.. هذا يعني أن الجزء المفقود قد يحتوي على هوية القاتل نفسه، أو لعل الرجل الرابع هو المفتاح المفقود.

 ثم التفت نحو التقني آمراً:

 — خذوا الصورة فوراً للمختبر الرقمي؛ أريد تحليلاً كاملاً لمعرفة إن كانت تحتوي على بصمات مغايرة.

أومأ التقني برأسه وحمل المحتويات المتبقية داخل الخزانة لاستكمال الفحص. وقبل أن يغادر يونس القاعة، ألقى نظرة فاحصة أخيرة على الأركان، ثم خرج ليلتقي بإلياس في الساحة. أخبره بكل ما استجد من معطيات حول الصورة والمدير. أومأ إلياس برأسه بوجوم، والتفت نحو عاملة النظافة؛ فملامحها تؤكد أنها لا تكذب، ومسألة قص النباتات تعني بوضوح أن الجاني (أو شريكه) عاد لمسرح الجريمة للتخلص من بقعة الدماء الكاشفة.

عقّب إلياس بهدوئه المعتاد: 

— لقد أخذت عناصر المختبر عينات من التربة المحيطة بالنبات، وسننتظر نتائج التحليل الجنائي عما قريب.

 ثم التفت ليونس وأردف وعلامات القلق تلوح على وجهه:

 — يونس، يجب أن أعود إلى المنزل فوراً.. والدتي اتصلت وطلبت حضوري العاجل. من المحتمل أن يكون آدم قد نقل لها تفاصيل حادثة الصباح. أيمكنك مواصلة القيادة بدلي؟ يجب مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة الداخلية والخارجية للمؤسسة بدقة، وكذلك طلبت من....

قاطعه يونس بابتسامة أخوية مطمئنة، واضعاً يده على كتف صديقه: 

— حسناً، حسناً.. اذهب وتولّ أمر عائلتك. سأتكفل بمتابعة التحقيق هنا، وسأتابع فحص ملف السيارة المصدومة، كما سأتستر على غيابك أمام الإدارة. ضع الأمر بين يدي صديق عمرك.

 ثم أشار إلى صدره بفخر مازحاً لتلطيف الأجواء: 

— غادر الآن بسرعة قبل أن تفقد خالتي صبرها وتأتي إلى "السنطرال" لتجرك من أذنك بنفسها.

أومأ إلياس برأسه شاكراً، وودع بقية العناصر ثم غادر بسيارته الشخصية. كان الجميع في الفرقة يتفهمون موقفه؛ فوالدة إلياس معروفة بصرامتها الشديدة التي تهابها العائلة بأكملها.

تحرك يونس برفقة الفريق الفني نحو الباب الخلفي للمؤسسة. وعلى عكس الباب الأمامي الذي يطل على حي سكني شعبى متواضع، كان الباب الخلفي يفتح على منطقة أرقى وأكثر هدوءاً. وكانت السيارة المصدومة ما تزال مركونة في مكانها كما وصفها المدير، ملاصقة للسور الخلفي.

تنهد يونس وجلس على الرصيف يراقب خبير البصمات وهو يمسح هيكل السيارة. جال ببصره في المكان فلمح كاميرا مراقبة مثبتة على واجهة أحد المنازل القريبة، لكن آماله تحطمت فور رؤيته لعدستها المهشمة. تنهد بيأس؛ فرغم هدوء هذه الأحياء نهاراً، إلا أن التقارير التي حصل عليها من "دائرة شرطة الضحى" تؤكد أن الأزقة الخلفية تتحول ليلاً بعد مغادرة التلاميذ إلى ساحات صراع للمنحرفين.

تمتم يونس بضيق: "يا إلهي.. الكاميرا محطمة، وأشك أن كاميرات الإعدادية القديمة تعمل بفعالية من الأساس."

وقبل أن يسترسل في يأسه، اقتربت منه ضابطة من الفريق التقني وقالت بجدية: 

— سيدي الضابط يونس.. هناك شيء غريب في المقعد الخلفي يجب أن تعاينه بنفسك.

ارتدى يونس قفازاته الطبية، وتوجه نحو السيارة محنياً رأسه ليتطلع داخل المقصورة الخلفية. تجمدت نظراته وهو يرى علبة أقلام تلوين خشبية قديمة، بجانبها ورقة رسم تجسد تخطيطاً طفولياً مؤثراً: رسم لأربعة أفراد؛ رجل، امرأة، طفلة صغيرة، ورضيع تقبضه الأم بين أحضانها بحنان. وفي أعلى الورقة، كُتب بخط طفلي مهتز وقلم تلوين أحمر كلمة: "عائلتي".

التقط يونس علبة الألوان وتفحصها.. كان هناك قلم واحد مفقود من السلسلة الخشبية.. إنه القلم ذو اللون الأحمر!

ساد صمت مطبق في المكان، وأخرج يونس رأسه من السيارة والأسئلة السيكولوجية تعصف بذهنه: هل سائق هذه السيارة المصدومة هو القاتل الذي يترك توقيعه لأجل غرض ما؟ أم أنه مجرد شاهد مرعوب قاده حظه العاثر لرؤية الجحيم؟


تعليقات